صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

200

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

الواحد منها عدة رجال ، فاتخذوا من ذلك أساسا للبناء . ولما جمعوا ما أخرجوه من النفقة وجدوها أقل من أن تبلغ بهم عمارة البيت كله ، فتشاوروا في ذلك ، واستقر رأيهم على أن يقصروا عن القواعد ويحجّروا ما يقدرون عليه من بناء « 1 » البيت ، ويتركوا بقيته في الحجر عليه جدار مدار يطوف الناس من ورائه ، ففعلوا ذلك وبنوا في بطن الكعبة أساسا يبنون عليه من جهة الحجر ، وتركوا من ورائه من فناء البيت في الحجر ستة أذرع وشبرا ، ثم شرعوا في بنائها ، ورفعوا بابها عن الأرض حتى لا تدخلها السيول ، ولا يرقى إليها إلا بسلّم ولا يدخلها إلّا من أرادوا ، وبنوها بمدماك من حجارة ومدماك من خشب بين الحجارة « 2 » . وبذلك يتضح أن هذا البنيان للكعبة قد قصر عما كان عليه منذ زمن الخليل - عليه السلام - . وقد أشار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعد البعثة إلى هذا الأمر في الأحاديث الصحيحة التي رواها البخاري ومسلم ، فقد قالت أم المؤمنين عائشة - رضي اللّه عنها - : سألت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن الحجر أمن البيت هو ؟ قال : « نعم » . قلت : فما لهم لم يدخلوه في البيت ؟ قال : « إنّ قومك قصّرت بهم النّفقة » ، قلت : فما شأن بابه مرتفعا ؟ قال : « فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا ، ولولا أنّ قومك حديثو عهد بالجاهليّة فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت وأن ألصق بابه بالأرض » « 3 » . الحكم الأمين : عندما انتهت قريش إلى موضع الحجر الأسود اختلفوا في رفعه وأراد كل فريق أن يذهب بشرف وضعه في مكانه ، وزعمت كل قبيلة أنها أحق بذلك الشرف حتى كاد ينشب بينهم القتال . وظلوا على تلك الحال بضع ليال ، ثم تشاوروا فأشار عليهم أبو أمية حذيفة بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر ، وكان أسنّ قريش ، بأن يحكّموا أول من يطلع عليهم من باب بني شيبة ، فرضوا بذلك فطلع عليهم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلما رأوه قالوا : هذا الأمين ، قد رضينا بما قضى بيننا ، فلما أخبروه الخبر أمر بثوب فوضع فيه الحجر الأسود وطلب أن يتقدم من كل ربع من أرباع قريش رجل وأن يأخذ كل رجل بزاوية من زوايا الثوب ، ثم رفعوه فأخذه بيده ووضعه مكانه وشده ، وبذلك حسم خلافا خطيرا كاد أن يمزق قريشا . ثم واصلوا البناء وزادوا في ارتفاعها تسعة أذرع وجعلوا لها سقفا مسطحا تحمله ست دعائم في صفين في كل صف ثلاث دعائم . وكان الخشب خمسة عشر مدماكا والحجارة ستة عشر مدماكا وبلغ ارتفاعها من خارج الأرض إلى أعلاها ثمانية عشر ذراعا ، وجعلوا ميزابها يسكب في الحجر ، وأقاموا داخلها درجة من خشب يصعد بها إلى ظهرها ، وزوّقوا سقفها وجدرانها الداخلية ، ودعائمها ، وصوروا فيها صور الأنبياء ، ويبدو أن ذلك كان بتأثير باقوم ، ذلك الروميّ البنّاء الذي استعانوا به ، فكانت فيها صورة إبراهيم عليه السلام يستقسم بالأزلام ، وصور الملائكة ، وصور مريم - عليها السلام - وفي حجرها ابنها عيسى - عليه السلام - ، وجعلوا لها بابا يفتح ويغلق ، ثم ردوا المال والحلية في الجب وعلقوا فيه قرني الكبش ونصبوا هبل على الجب كما كان قبل ذلك ، وكسوها حبرات يمانية وردموا الردم الأعلى وصرفوا السيل عن الكعبة » « 4 » .

--> ( 1 ) معنى هذه العبارة أنهم اقتصروا في النباء على ما يقدرون عليه ووضعوا الأحجار في هذا الجزء الذي اكتفوا به . ( 2 ) الأزرقي - أخبار مكة 1 / 162 - 163 ، ابن فهد - إتحاف الورى 1 / 156 . ( 3 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري 3 / 513 - 514 ) حديث ( 1584 - 86 ) ، صحيح مسلم ( شرح النووي ) 9 / 88 - 91 . ( 4 ) الأزرقي - أخبار مكة 1 / 163 - 165 ، ابن فهد - إتحاف الورى 1 / 156 - 160 ، ابن كثير - البداية والنهاية 2 / 303 - 304 ، المسعودي - مروج الذهب 2 / 278 - 279 ، الشيبي - إعلام الأنام ص / 136 - 138 .